News, Newsletters & Subscription
You are here:   Home  /  الإذاعة  /  026 – محمّد سالم الكبير

026 – محمّد سالم الكبير

enar

 

محمّد سالم الكبير

محمّد سالم الكبير،

 هو المعروف ب محمّد سالم الكبير، وإذا أردنا مرادفته أدبيّاً فهو أشبه ما يكون بالنابغة الذبيانيّ الشاعر، الذي نبغ في الشعر كبيرا. فهو كذلك نبغ في الغناء كبيراً. فعلى الرغم من أنّه يكبُر عبده الحمولي بما يزيد عن ١٥ سنةٍ على قول بعض المحدّثين، إلا أنّه لم يُعرف كمطربٍ إلّا في أخريات أيّام عبده الحمولي، بل يُقال أنّه هو الذي قدّمه للناس مُطرباء جديداً، لكن المؤكّد أنّه شجّعهُ وساعده ليكون في الصفّ الأوّل بين مطربي عصر النهضة. يُقال في قصّة احتراف محمّد أفندي سالم الغناء أنّه في الأصل كان يعمل فرّاشاً في الحفلات، وهو ما يُعرف أيضاً بالنوبتجي أو النبطشي، وهو من يهتمّ بشؤون الفرقةِ من كيفيّة جلوسهم إلى المساعدة في حمل الأغراض وترتيبها إلخ، وكان يعمل لصالح تخت سي عبده الحمولي، وذات ليلةٍ جاء سي عبده مبكّراً أثناء عمليّة الإعداد للحفل، فوجد محمّد سالم يقوم بالإعداد ويسلّي نفسه بالغناء، فناداه وقال له: (مكانك مش هنا يا محمّد أفندي، مكانك وسطِنا). وضمّه إلى تخته كعضوٍ في بطانته، ثمّ صنع معه ما صنيعه مع عبد الحيّ أفندي حلمي، فكان يُرسله إلى حفلاتٍ بدلاً عنه ويحاول تدبير عملٍ له في الغناء وسعى كي يكون واحداً من المعروفين في عالم الغناء.

نستمع إلى أحد أوّل تسجيلات محمّد أفندي سالم في دورٍ ممّا حفظه في بطانة سي عبده وهو دور “أنا السبب فاللي جرى” والمسجّل لشركة أوديون عام ١٩٠٤ على وجهٍ واحدٍ قطر ٣٥ سم، وهو من أندر القياسات حيث يمكن تسجيل حوالي 5 دقا~ق متواصلة على وجه هذا القطر، التسجيل مصنّف رقم 71005 مصفوفة Exx 931

يصاحبه في العزف فرقة أوديون المكوّنة من الحاجّ سيّد السويسي على العود وعبد العزيز القبّاني على القانون وعلي عبدو صالح على الناي.

ذاع صيط محمّد سالم في أخريات أيّام عبده الحمولي، واستمرّ بعد وفاته على أنّه لم يبلغ صيط الشيخ يوسف المنيلاوي وعبد الحيّ حلمي، وعلى الرغم من هذا فإن محمّد سالم نال احترام السمّيعة وأهل الفنّ على حدٍّ سواْ حتّى لُقِّب بالكبير. ويشرح محمّد كامل الخُلَعِي هذا في ترجمته لمحمّد سالم فيقول أنّه كبير المقام ليس فقط بحلاوة صوته وإتقان غناْه وقد بلغ في هذا مبلغاً كبيراً، لكن بدماثة خلقه ورحابة صدره، وقد لقّبه الحاسدون بالعجوز لكبر سنّه على أنّ في طلاوة صوته ما يفوق أولائك الحاسدين وزاد الكثير ونصح أكابر القوم أن يأتوا به في حفلاتهم وسهراتهم فهو عذب الصوت أنيسُ المجلس وليس فيه عربدة أوللئك المنتسبون خطءاً للنغم.

محمّد عبد الرحيم المسلوب

تتميّز تسجيلات محمّد سالم أنّ فيها الكثير من غرائب الألحان التي لم يسجّلها أحدٌ سواه، وهي ألحانٌ مجهولة النسب أغلبها على شكلِ أدوار ما قبل الحمولي وبعضها لا يمكن مقاربتها بالموشّح، فله تسجيلٌ عظيمٌ لدور “يا حليوة يا مسلّيني” والمنسوب للشيخ محمّد عبد الرحيم المسلوب، وله تسجيلٌ لشيءٍ أشبه ما يكون بموشّح عنوانه “يا دان يا ويلدان”، وهو عملٌ يغنّى بأشكالٍ متعدّدةٍ في الحجاز خاصّةً الجزء المطلّ منه على ساحل البحر الأحمر كينبُع ومقابله في مصر في منطقة القلزم المعروفة الآن بالسويس، تقع جنوب شرق مصر وهاتان المنطقتان تشتركان في تراثً شبه موحّدٍ من الغناء الشعبيّ وحتى الآلات وطريقة الغناء.

نستمع من تلك الأعمال الغريبة إلى دور “يابو العيون النعسانة”، وهو في المعلّق أحد أفرع مقام الراست وفي لحنه شيءٌ غير مألوفٍ لآذان المستمعين هذه الأيّام لكن شيءٌ جميلٌ وعذبٌ في كيفيّة القفلة على فرعٍ غير فرع البداية، ولكنّ هذا سير المعلّق وهو منتشرٌ في الكثير من التقاليد الشعبيّة في ساحل البحر الأحمر المذكور آنذاك واليمن وصعيد مصر.

التسجيل لشركة أوديون على وجهٍ واحدٍ قياس 35 سم عام 1904 مصنّف رقم 71009 مصفوفة Exx 935 تصاحبه نفس فرقة العزف التي صاحبته في التسجيل السابق.

مثل هذا التسجيل الذي استمعنا إليه يؤكّد لنا علاقة محمّد أفندي سالم بالغناء، ولعلّ هذا ما يبرّر قول أحد محدّثي مدينة السويس أنّ محمّد سالم قد ذهب إلى القاهرة كبيراً وأنّه كان يعمل في الغناء للبحّارة وللعمّال في السويس ويضيف أنّه ذهب عدّة مرّاتٍ مع محمل الكسوة والحجيج، على أنّ مثل هذه المعلومات لم تذكر في أيّ كتابٍ من كتب التأريخ الموسيقيّ، لكن إن صحّت فهي تبريرٌ منتقيٌّ جدّاً لفكرة حفظه العديد من النماذج المشتركة بين القلزم والحجاز والتي يُطلق عليها سكّان طرفي الساحل (الأدوار). على أنّ محمّد سالم لم يكتفي بهذا، بل كان مواكباً لعصره فبعد إتقانه أدوار الحمولي وعثمان حفظ أدوار الجيل اللاحق لهما، والذي يعدّ في عمر أحفاده، ومن هذه النماذج نستمع بصوت محمّد سالم الكبير إلى دور “سلّمت روحك” نظم الشيخ أحمد عشور ولحن داود حسني، سجّله لشركة الجراموفون حوالي عام 1907 على 4 أوجهٍ قياس 25 سم، مصنّف رقم X-2-102111 X-2-102112 X-2-102113 X-2-102114 مصفوفة 9189 b 9190 b 9191 b 9192 b يُصاحبه على الكمان إبراهيم سهلون وعلى القانون محمّد إبراهيم.

محمّد سالم الكبير

يتميّز أداء محمّد سالم بالبساطة والثبات على المقام واللعب على إيقاع الجملة الوزنيّ وإذا أردنا كشف ذلك فلا بدّ لنا أن نستمع إلى عملٍ ليس فيه دورةٌ إيقاعيّة، والموّال خير نموذجٍ لعملٍ لا توجد فيه دورةٌ إيقاعيّة، فالاعتماد في الأصل على إيقاع وزن الجملة، وفي معظم الأحيان يكون الموّال مرتعاً للتصرّفات اللحنيّة والانتقالات النغميّة، على أنّ محمّد سالم هو خير نموذجٍ على نوعٍ آخر من التصرّف وهو اللعب على وزن الكلمة في توزيع اللحن، من محمّد أفندي سالم الكبير نستمع إلى موّال أهل الجمال والذي يرتجله من مقام السيكاه، الموّال مسجّل على وجهٍ واحدٍ قياس 27 سم لشركة بيضافون حولي عام 1912 رقم 12806 يراسله ويحاسبه على القانون عبد الحميد أفندي القضّابي. 

تقول بعض المصادر أنّ محمّد أفندي سالم الكبير قد عاش حتى عام 1927، على أنّ ما يمكن تأكيده أنّه سجّل في حملة شركة بوليفون الألمانيّة عام 1924. ومن هذه التسجيلات المتأخّرة لمحمّد سالم نستمع إلى لحن”عالدمنهوري”، وقد سجّله للعديد من الشركات لكن نحاول في هذه الحلقة تقديم النادر الذي لم يتمكّن الكثير من سماعه. التسجيل على وجهٍ واحد قياس 27 سم وهو تسجيل تجربةٍ لم يتمّ نشره مصفوف 3119 ar يصاحبه على الكمان سامي الشوّا وعلى القانون عبد الحميد القضّابي.

إلى هنا نأتي إلى ختام هذه الحلقة من برنامج من التاريخ على أمل اللقاء بكم في حلقةٍ جديدة.

 

  2013  /  الإذاعة  /  Last Updated November 15, 2013 by  /  Tags:
WP-Backgrounds Lite by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann 1010 Wien