News, Newsletters & Subscription
You are here:   Home  /  الإذاعة  /  057 – 1 الغناء البحري

057 – 1 الغناء البحري

enar

الغناء البحري

مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية بالتعاون مع مؤسسة الشارقة للفنون تقدم: “دروب النغم”

أصدقاءنا المستمعين أهلا وسهلا بكم في حلقة جديدة من “دروب النغم” ، في هذه الحلقة نتناول نمطا غنائيا شعبيا في الخليج العربي وهو الغناء البحري، في هذه الحلقة سنتحدث عن الغناء البحري أثناء العمل، وهذا حوار أجراه الأستاذ كمال قصار مع الأستاذ أحمد الصالحي المتخصص في هذا الشأن.

الغاء البحري موجود في منطقة الساحل في الخليج، تحديدا ما بين الكويت إلى قطر وطبعا مرورا بالبحرين والإحساء، وتحديدا في السعودية لديهم منطقة اسمها “دارين”  تاريخيا كانت من معاقل الغناء البحري. الغناء الذي سنتكلم عنه اليوم هو بشكل أساسي عن التقاليد الموجودة في الكويت، لكن يمكن أن نقول أن %90 منها موجودة أيضا في باقي المناطق. الغناء البحري  اليوم موجود في الكويت، وهو حي ويمارس من قبل الشباب ويمارس من قبل الفرق البحرية  الموجودة، وعددها ثلاث فرق في الكويت، لكن سنلاحظ بأن هذه الفرق تتضمن أعضاء كلهم لم يدخلوا البحر، جميعهم لم يمارسوا هذا الفن كحاجة إنما كترفيه أو محافظة على التقاليد الموسيقية القديمة “. أيضا بسبب توقف الحياة البحرية مع ظهور النفط، لم يعد هناك حاجة لهذه الفنون وممارستها لأنها مرتبطة بأعمال معينة على السفن وفي الغوص وغير ذلك، لذلك اليوم يطبقونه بشكل تمثيلي، يمثلون المشاهد في أماكنهم الخاصة على أساس المحافظة على هذه التقاليد. في القديم كان الوضع مختلفا جدا، الفنون البحرية أولا كانت مرتبطة بمجتمع كامل موجود في المنطقة وهو مجتمع البحارة، مجتمع البحارة له تقاليده وله مصطلحاته وله أسلوب حياة معينة وحياة اجتماعية، ففي الزواج مثلا هو متداخل ببعضه البعض، ويعرف بعضه البعض وله طريقته في الحديث، وله أيضا علاقات مع بقية البحارة في  المناطق كالسعودية والبحرين، هذا إذا كانوا في الكويت، هؤلاء البحارة أثناء عملهم على السفينة يغنون لأن الأعمال كانت شاقة جدا، فليصبح هذا العمل منظم إيقاعيا، وليكون هناك قدرة بدنية على ممارسة هذه الأعمال الشاقة كانوا يغنون، هذا أمر موجود في جميع الأعمال ربما في العالم كله.

Abdallah Abou Gheith

Abdallah Abou Gheith

  • أظن أن عمل البحر يشمل بناء السفن أيضا؟ 
  • يشمل كل شئ، إذا تكلمنا عن أنواع الغناء البحري، أنا أفصله إلى ثلاث أنواع:  أغاني العمل وهي مرتبطة فقط بعمل معين، لرفع الشراع أو لسحب المجداف أو مثلا لحمل البضاعة، أيضا هناك أغاني الترفيه لأنهم لا يعملون دائما، فلذلك عندما يرتاحون يغنون أغاني مختلفة فيها رقص وفيها تصفيق وفيها ترويح لهم، هذه أغاني ترفيهية غير مرتبطة بعمل معين، أما النوع الثالث فهي أغاني المناسبات وهي فنون قليلة. أعظم الفنون وأصعبها طبعا هي أغاني العمل، لأن أغاني العمل على الأغلب تحتاج إلى آلات موسيقية محدودة وهي الطبل البحري وهو طبل كبير مغطى بالجلد من الجانين ويضرب باليدين على كل جانب، الجانب الأيمن بالعصا والجانب الأيسر باليد.
  • يحمل أفقيا؟
  • يُحمل أفقيا والحبل يكون على كتف العازف، يجب أن يكون واقفا ليتحرك ويرقص معهم، ولا يبقى جالسا. أغلب الأعمال البحرية تشمل نوعين من الرحلات: رحلة الغوص ورحلة السفر، السفر بمعنى التجارة، التجارة كانت مع الهند ومع أفريقيا ومع العراق للتمور، أثناء سفرهم للتجارة يغنون، يستخدمون المجداف ويرفعون الأشرعة وينزلونها، وهناك البضاعة فهم يتاجرون، يحملون بضاعة من الكويت مثلا ينزلونها في البصرة، في البصرة يأخذون التمر ويذهبون مثلا إلى أفريقيا، في أفريقيا يأخذون الخشب ويذهبون إلى الهند، في الهند يأخذون الأطعمة ويرجعون إلى الكويت، هذه العملية تحتاج إلى غناء، فهذه أغاني العمل، مثلا حمل التمور يتضمن “شيلة”، “الشيلة” هي أغنية بسيطة تعتمد على الرقص والحركة وإيقاع بسيط، أغلبه يكون 8/6، فمثلا “الكاجوري”، “الكاجوري” يعني تمر باللغة الهندية، فيغنون “الكاجوري” بمعنى التمر طبعا أثناء حمل التمر في البصرة، هذا نوع من الأنواع المرتبطة بطقس معين، الطقس الثاني الموجود في الغوص وفي السفر وهو رفع الأشرعة وإنزالها، أيضا لديك سحب المرساة، وأيضا هناك طقوس أخرى موجودة على السفينة تشترك في الغوص وتشرك في السفر، كل نوع من هذه الفنون له فن خاص وإيقاع خاص وكلمات ورقصة معينة وحركة معينة وتفاعل معين يتناسب مع الطريقة تلك.
  • وحضرتك ستسمعنا نماذج من كل نوع؟
  • من الصعب أن نفعل ذلك لأنها عشرات، لكن نستطيع مثلا أن نأخذ نموذجا جميلا وهو “اليامال”. 
  • ما هو؟
  • “اليامال” هو فن وموال دون مصاحبة إيقاعية، مهمته ضبط الإيقاع، وهذا أمر غريب لآن ضبط الإيقاع يحتاج دائما إلى طبل أو آلة إيقاع، لكن عند البحارة وبسبب الحس الإيقاعي العالي جدا عندهم لا شعوريا أو فطريا أو بسبب الظروف نجد بأن الموال هو الذي يضبط الإيقاع، فلذلك  “النهام”، “والنهام” نقصد يه مطرب البحر، يغني موال باسم “يامال”، طبعا يبدأ بـ “أوه يا مال” ثم يكمل بقصيدة تسمى “زهيري”، والجالسين عند المجداف يسحبون على اليمين وعلى اليسار بنفس الوقت وبنفس القوة، حيث أن السفينة تمشي إلى الأمام بشكل صحيح. ومن ضمن القصص القديمة مثلا أن أحد البحارة يذكر بأنه كانت هناك سفينة لجماعة معينة من أهل الكويت، وهم ليس لديهم خبرة عميقة في البحر، فكانت دائما السفينة تدور يمينا وتدور يسارا لأن خبرتهم بسيطة، وبقية السفن يضحكون طبعا لأن حساسيتهم في تنظيم الإيقاع داخل السفينة كانت ضعيفة، بعد سنة شعروا بأن أدائهم ضعيف، فأحضروا”نهاما” ممتاز ودفعوا نقودا أكثر ليضموه، الضم يعني أن يعمل معهم، ضموا “النهام” فساعدهم وضبطهم بحيث أنهم أصبحوا أفضل أشخاص وأسرع سفينة بين بقية السفن. هذه قصة مشهورة بين البحارة القدامى تبين أهمية “النهام” وتبين أهمية فن “اليامال” أيضا.
  • من سيغني لنا “يامال” الآن؟
  • طبعا اللذين أدوا “اليامال” كثر، كل “النهامة” أدوا “اليامال” أذكر بعض الأسماء: من البحرين سالم العلان وأحمد بوطبنية من “دارين” في السعودية ومبارك الراعي من الكويت وسعود صرام وراشد الجيماز جميعهم أدوا “اليامال”، سنختار نموذجا من هؤلاء “النهامة”.
  • ذكرت بأن فن “اليامال” بدون مصاحبة إيقاعية هو مجرد موال وحركة المجداف مع همهمة البحارة، هم يجيبونه، عندما يقول مثلا: “أوه يا مال” يجيبونه “هيه” على أساس أنهم يمشون معه بشكل صحيح. أما بقية الفنون فهي على الإيقاع، أحيانا فنون العمل تبدأ بموال صغير يكون أغلبه ذكر ديني للرسول أو لرب العالمين، وبعضهم فيه نوع من الخوف لأن هذا العمل مخيف بالنسبة لهم (البحر والغربة)، ثم يدخل في الغناء الموقع بمصاحبة في أغلب الأحيان طبل “وطويسة”، “الطويسة” هي “الصاجات” شبيهة بتلك الموجودة في مصر والشام وبنفس الحجم، لكن استخدامهم لا يكون بيد واحدة، في العادة “الصاجة” تستخدم بيد واحد بأصبعين متقابلين، أما في الكويت والمنطقة فتستخدم باليدين، كل يد تحمل جزءا من “الطويسة” ويضربوهما ببعض، أشبه “بالصنوج” التي يضربونها ببعض، يعطي صوتا أشبه “بالمترونوم” (metronome) يضبط الإيقاع الموجود والرقص كله على هذه “الطويسة”. أما النوع الثاني وهو الغناء الترفيهي، فن ليس له علاقة بفنون العمل، أولا مناسبته قديما مرتبطة أغلب الأحيان بالسفر وليس الغوص، لأن الغوص من وقت خروجهم من الميناء حتى عودتهم مرة أخرى بعد أربعة أشهر  كله عمل، لا توجد الراحة إلا عند النوم، لكن أثناء السفر هناك راحة لماذا؟ لأنهم يزورون الموانئ الموجودة في طريقهم، مثلا يخرجون من الكويت يذهبون إلى دارين، ومن دارين إلى البحرين ومن البحرين إلى عمان، ومن عمان إلى عدن في اليمن، ومن عدن أحيانا يذهبون إلى جدة وأحيانا إلى تنزانيا، المسألة يوجد فيها راحة ليومين أو ثلاثة في كل ميناء، عندما يتوقفون في أي ميناء يبيتون الليل على السفينة ويسمرون أو يغنون، في الكويت يسمونها “إنس” من الاستئناس، وفي البحرين أتوقع يسمونه “فْجِري”، طبعا الفن في الكويت نحن نسميه “بحري” كقالب موسيقي، في البحرين وفي قطر يسمونه “فْجِري”، “البحري”  فقط في الكويت “والفْجِري” في البحرين وقطر وبنفس المعنى، الحفلة نفسها في الكويت تسمى “إنس”، فعندما يهبط الليل “يستانسون” بمعنى الأنس.
  • على ظهر السفينة؟
  • على ظهر السفينة، ويمكن دعوة بقية السفن الكويتية أو البحرانية أو أية سفن حتى سفن الأفارقة، عرب وغيرهم ينضمون للمشاركة ويقومون بغناء “البحري”، طبعا في بعض الأحيان يكون هناك مطرب وليس “نهام”، مطرب بمعنى أنه يعزف على العود، فيكون جزء من الإنس أو الحفلة “للجزوة” وهم أهل البحر وجزء “للمْكَبِس” أي عازف العود ومطرب الأصوات عادة، لكن الأصوات في هذه الحالة ليست جزء من “البحري” ولكن جزء من “الإنس”. نعود إلى فنون العمل، فنون العمل واضحة ومحددة ونستطيع أن نقول بأنها أسهل أيضا، أولا نأخذ فكرة عن المصطلحات وأجزاء كل فن  أو فصل، كل فصل في أغاني الأنس أو أغاني الترفيه يحتوي على أجزاء مختلفة، تبدأ دائما “بالجراحان”، “والجراحان” هو موال عادي ذات طريقة معينة وتقنية معينة وتقاليد معينة، فيه تجاوب ما بين “النهام” أي مطرب البحر والمجموعة.

السفينة

 

  • “جراحان” آتية من جرح مثلا؟
  • ممكن من الجرح، لأنهم دائما يطلبون من “النهام” فيقولون له: “إجرح”، إجرح بمعنى غني “الجراحان”، وهو غناء حزين جدا لأهل المنطقة، فيه حزن عميق لأنه يختزل كل الآلام والغربة الموجودة في هذا الفن وفي العمل نفسه. بعد هذا  الغناء بتقاليد المعينة، يدخلون إلى الأغنية الجماعية، الأغنية الجماعية مع الإيقاعات الموجودة وبدون تصفيق، مجرد أن المجموعة كلها تغني، وتسمى الأغنية “تنزيلة”، بعد “التنزيلة” الإيقاعات تستمر بنفس الكيفية.
  • الإيقاعات مؤلفة من عدة آلات إيقاعية  أليس كذلك؟
  • نعم طبعا، نحن ذكرنا أنه في غناء العمل هناك طبل “وطويسة”، لكن في غناء الترفيه الموضوع مختلف جدا، هناك العديد من الإيقاعات التي سأذكرها بعد ذكر الجزء الأخير في الفصل، الجزء الأخير في الفصل هو أن الإيقاعات تستمر والمجموعة يتوقفون عن الغناء، يبدؤون “بالنحبة”، “النحبة” بمعنى الهمهمة، وعلى ضوء “النحبة” هذه يبدأ “النهام” بغناء موال آخر مختلف عن “الجراحان”، نغمة مختلفة وأسلوب مختلف وطبقة موسيقية وإيقاعية مختلفة وتسمى “نهمة”، وهي ذروة العمل نفسه وتنتهي دائما بكلمة “يا ليل يا ليل”، عندما يقول “يا ليل يا ليل” هذا يعني أننا انتهينا فيوقفون الإيقاعات، طبعا العمل نفسه سواء في موسيقى العمل أو الترفيه  يمكن أن يشارك فيه أكثر من “نهام” في كل أغنية، نحن اليوم ليس لدينا عدد كافٍ من “النهامة”، فعادة كل فن يقدمه “نهام” واحد، في القديم كان يصلون إلى ثلاثة أو أربعة “نهامة” يغنون مع بعضهم في أغنية واحدة، فتأخذ نصف ساعة إلى خمسة وأربعين دقيقة حسب المزاج العام، أما الإيقاعات المستخدمة في أغاني الترفيه فهي على الأغلب طبعا الطبل البحري “والطويسة” وأيضا “الهاون” الذي يهرس به الثوم ويستخدمون أيضا زير الماء.
  • Percussion instruments - Bahri Artالجرة الفخارية تقصد؟
  • الجرة الفخاري نفسها، طبعا تكون فارغة من الماء، يضربون عليها فتعطي صوت“base” ، وتسمى “يْحَلة”، وهي تحريف لكلمة “جْحَلة”، “جْحَلة” بمعنى الجرة، هذه الإيقاعات تستخدم كلها بالإضافة إلى المرواس المعروف في غناء الصوت أيضا، يكون موجود مع التصفيق بإيقاعية معنية وبأسلوب معين منظم ودقيق جدا.
  • متى يتم التصفيق؟
  • التصفيق بعد نهاية “التنزيلة” وهي الأغنية الجماعية، أثناء غناء “النهام” نفسه، الفقرة الخاصة “بالنهمة”، فقد ذكرنا أن هناك “جراحان” ثم “تنزيلة” ثم “نهمة”، في “النهمة” يبدؤون بالتصفيق والرقص، الجلسة تكون عشوائية أثناء أداء الجزأين الأول والثاني في الفصل، في الجزء الثالث يصبح هناك ترتيب، يجلس المصفقون بشكل دائري ويضربون على الأرض بأياديهم، أفراد الأغنية الجماعية يجلسون على شكل دوائر أثناء فقرة “النهمة” ويضربون على الأرض بعدد معين، لا يحضرني ولكن أتوقع 12 ضربة، بعد 12 ضربة على الأرض طبعا يجلسون بشكل مستقيم لأنهم قبل ذلك كانوا جالسين وكأنهم راكعين ويصفقون، التصفيق متبادل، فهي ضربة على الأرض ثم تصفيق مع اللذين يرقصون داخل الدائرة أو ما بين الدوائر الموجودة في هذا المكان، فنستطيع أن نقول بأن هناك تقاليد دقيقة قليلا وذات رموز معينة، لكن لا توجد دراسة “أنثربولوجية” تمت بشكل وافٍ حول هذه المواضيع. 
  • حسنًا هل يمكنك أن تقدم لنا نماذج من هذه الفقرات؟
  • نعم. 
  • فنقدم مثلا “جراحان” حسنا سنقدم فقرة خاصة “للجراحان”، وبعدها ننتقل إلى الأغنية الجماعية “التنزيلة” وبعدها ننتقل إلى الأغنية المنفردة وهي “النهمة”، عادة كل العمل يأخذ عشر دقائق، في القديم كان أطول، لكن بعد مرحلة النفط وانتقال الفن من فن عمل إلى فن ترفيهي بشكل كامل نستطيع القول بأنه أصبح أقصر بكيثير. حمد بن حسين أحد أول مؤسسي فرقة في الكويت يذكر لأبنه وهو صديقي الأستاذ محمد بن حسين أن الفن البحري ذهب مع أهله، هذا الكلام في الستينيات، يقول أن الفن البحري ذهب وانتهى ما نعزفه اليوم ليس بحري كمستوى، فما بالك بالموجود اليوم! ومع ذلك يُشكرون على الموجود، هناك أجواء جميلة تُمارس، وهناك شباب يمارسون هذا الفن اليوم، وهي فنون صعبة جدا تحتاج إلى ممارسة دائمة ودقة في العمل، وكما قلت هناك تفاصيل كثيرة يصعب على أي شخص أن ينسجم معها دون معرفة مسبقة أو تدريب مسبق.

إلى هناك أصدقائنا المستمعين نأتي إلى ختام حلقة اليوم من برنامج “دروب النغم”، وإلى أن نلتقي في حلقة جديدة نستكمل فيها الحديث عن الغناء البحري لكن الترفيهي هذه المرة نترككم في الأمان.

 

  2014  /  الإذاعة  /  Last Updated يوليو 24, 2014 by Naji Zahar  /  Tags:
WP-Backgrounds Lite by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann 1010 Wien