News, Newsletters & Subscription
You are here:   Home  /  الإذاعة  /  193 – الموسيقى الشعبية في لبنان 1

193 – الموسيقى الشعبية في لبنان 1

enar

مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية بالتعاون مع مؤسسسة الشارقة للفنون تقدم: “دروب النغم”.

سادتي المستمعين أهلا وسهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج “دروب النغم”، هذه الحلقة نتناول دربا من دروب النغم  الشعبي، ونستضيف فيها الأب بديع الحاج رئيس قسم الأرشيف والتوثيق في جامعة الروح القدس، سيحدثنا عن الموسيقى الشعبية في لبنان.

أهلا وسهلا بالأب العزيز.

أهلا بك أستاذ مصطفى، شرفت وإن شاء الله تكون الحلقة مثمرة للمستمعين.

بوجودك يا سيدي الفاضل، أدامك الله. نبدأ من البداية من مرحلة التكوين.

التكلم عن الموسيقى في مرحلة التكوين شيء صعب، فالموسيقات التراثية والموسيقات الشعبية لا أحد يعرف كيف تكونت في البداية، في كل العالم هناك موسيقى رافقت الإنسان في حياته، ولم تكن موسيقى لأجل الموسيقى، كانت موسيقى تواكب حياته منذ الولادة، فهناك أغاني المهد وأغاني العمل وأغاني الأفراح وأغاني الأتراح، وهناك أغاني حتى يصل الإنسان إلى اللحد ويتوفى، هناك ألحان وموسيقات سواء  دينية أو شعبية، وهنا يصعب التكلم عن الموسيقات، نحن في منطقة تسمى بلاد الشام أو الشرق الأدنى، والبلدان المجاورة للبنان فيها الكثير من الموسيقات التي تتشابه فيما بينها، فإذا أخذنا الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين وهي بلدان لديها جامع مشترك وموسيقى مشتركة في الأنواع والأنماط الموسيقية الموجودة.

وربما أيضا تشترك معكم أقسام من شمال العراق وسيناء.

صحيح، العراق بسبب التقاليد السريانية والأشورية والأكادية القديمة التي كانت مهد الحضارة الشرقية في وقت معين من التاريخ، أتكلم عن التاريخ القديم، كما أن لدينا في شمال مصر والأردن بحكم التجارة وحكم الجوار وحدة حال أيام التجارة، لم يكن هناك تبادل بالسلع فقط وإنما تبادل حضاري وثقافي وموسيقي وغنائي، وكانوا يشتركون مع بعضهم البعض. إذا أردنا العودة إلى أصول الموسيقى اللبنانية، الموسيقى اللبنانية شبيهة بطبيعة لبنان، فلبنان يتكون من الساحل ولدينا شاطئ على البحر المتوسط، وهناك الجبل وهو السلسلة الغربية وصولا إلى مشارف البحر وتسمى السلسلة الجبلية، نصل إلى سهل البقاع ما بين السلسلتين الشرقية والغربية والتي تتسم بالمناخ الصحراوي نوعا ما، والتي تمتد إلى ما بعد السلسلة الشرقية وصولا إلى بادية الشام والعراق وإلى الداخل الشرقي للبادية. هذا التنوع الجغرافي حكم على لبنان بتكوينه الموسيقي والحضاري واللغوي، حتى باللهجات والطعام وطرييقة العيش. إذا أخذنا الساحل هناك الموسيقات التي أتت من المدن عن طريق السفر والترحال والتجارة، هناك الموسيقى الحلبية من خلال القدود والموسيقى العراقية من خلال المقام العراقي والموال البغدادي، ونجد أيضا الموشحات التي أتت إلينا عبر السفر والهجرات أو عبر الشعوب التي حكمت بلادنا، كما أن الموسيقى الغربية أثرت على موسيقانا، إذا أخذنا الجبل نجد التأثير السرياني على الموسيقى التقليدية التراثية لأن اللغة السريانية كانت سائدة في تلك القرى، وكان الترتيل السرياني تغنى عليه الأشعار الشعبية، وسنلاحظ من الأنماط التي سنسمعها التأثير السرياني على هذه الموسيقى، نصل إلى السهل ونجد التأثير البدوي واضح جدا الذي أتى من الشرق، مع ترحال البدو سواء أكانوا من البدو الرحَّل أو نصف رُحَّل، لأننا نعرف في مرحلة من المراحل الرُحَّل استوطنوا وسكنوا وبنوا البيوت، وتأثروا وأثروا بالقرى الموجودة في المناطق البقاعية، وخاصة شمال البقاع القريب من الحدود السورية.

تقصد بالبدو الرُحَّل البدو الذين استقروا وأصبحوا رعاة.

صحيح الذين أصبحوا رعاة أو مزارعين، أصبحوا اليد العاملة التي تعمل مع أصحاب الأرض في الزراعة وفي جني المواسم إلخ، ورعاة الأغنام الذين يعيشون من الحليب والأجبان إلخ، هؤلاء أشخاص سكونوا في بلادنا وعاشوا فيها، ومؤخرا كثير منهم حصلوا على الجنسية وصاروا لبنانيين، نعتبرهم لبنانيين لكن من أصول آتية من خارج لبنان، نريد أن نميز بين أمرين فالناس تخلط بين النَور/الغجر والبدو، البدو هم العرب، أما النَور/الغجر فلا علاقة لهم بالعرب، ليسوا عرب، نحن نسميهم بالفرنسية “تزيغان” (tzigane)، وهم هنديو الأصل ذهبوا إلى أوروبا، هناك الدوم والروم، الروم في الغرب والدوم في الشرق، لهم معالجة أخرى وتراثهم بعيد عن تراثنا الموسيقي، ولكنهم تأقلموا وأخذوا موسيقانا وعاشوا من خلالها، غنوها وعاشوا منها، ولكنها ليست موسيقاهم.

نعود إلى الجبل، في حقبة ما من القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر، أتت هجرات كثيرة جدا إلى جبل لبنان من قبائل عربية بحكم الطوائف الباطنية هربا من الحكم المركزي في بغداد إلخ، هل كانت لهذه الهجرات من جزيرة العرب إلى جبل لبنان مؤثر؟

أكيد أيام الفاطميين وما بعد، الدروز الموجودين في لبنان هم من الهجرات التي أتت، فبالتالي لم تتأثر الموسيقى فقط وإنما العادات والتقاليد والمماراسات، لا نستطيع أن نأخذ الموسيقى وحدها، فالموسيقى تمارس مع الأعراس ومع الجنائز، فإذا مات شاب على سبيل المثال كيف يغنون له وكيف يُحَوْرِبون له، هي كلمات يستعملونها وأعطونا إياها مثل “الحوربة”، أصل الكلمة آتٍ من الحرب، الحرب التي كانت تقع بين القبائل التي كانت تتصارع لأجل البقاء أو لأجل الشرف إلخ، كان هذا التراث موجود وله تأثير، نستطيع أن نقول إن الموسيقى التراثية اللبنانية هي مزيج وخليط في بوتقة، وهي لبنان الذي أعطانا الانصهار في الحضارة الموسيقية وأعطانا ما يسمى بالموسيقى التراثية اللبنانية، ولكن لا يمكننا القول إن هناك موسيقى لبنانية واحدة، في كل منطقة لدينا طريقة أداء وطريقة ممارسة لتلك الموسيقات. الحضارات التي أتت في القرن الثاني عشر عبر المماليك والصليبيين، هذه التأثيرات الشرقية الغربية تعرضت لكر وفر، أناس يهربون إلى الجبل ويأخذون معهم تراثهم ويمكثون، وهنا يمكننا أن نشير إلى نقطة وهي إن الاضطهاد حافظ على التراث اللبناني بشكل من الأشكال، لم نأخذ فقط تأثيرات غربية بحكم الاضطهاد، وإنما الشعب صار يتقوقع ويعيش في أماكن منعزلة خوفا من المضطهِد، وأصبح يأخذ تراثه ويغنيه لوحده دون التأثر بأحد خوفا من التلاقي والتفاعل مع الشعوب.

تقصد خوفه من الاندثار.

صحيح.

نعود إلى قصة تستهويني، وهي أول تنزيلات قام بها مار إفرام في القرن الرابع، هل هذا اول مؤثر للموسيقى الشعبية على الموسيقى الدينية؟

أنت تعرف أن مار إفرام لم يكن هو من بدأ، كان هناك شخص قبله في القرن الثاني وهو برديصان، برديصان كان أيضا مسيحيا وقتها، ولكن في القرون الأولى للمسيحية، وكانت هناك بدع مع العقائد التي ظهرت، برديصان كان غنوصيا، وهي الفلسفة التي تؤمن بأن الإنسان من خلال معرفته الشخصية يمكن أن يعرف الله، حُرِم وفصلته الكنيسة التي كانت موجودة وقتها، هو من بدأ بتركيب الأشعار الدينية على الألحان الشعبية، لماذا؟ لأنه رأى الناس الموجودين في منطقة الرها، وهي موجودة في تركيا حاليا يحبون الموسيقى والغناء والأشعار، فصار يعلم عقيدته بالشكل الطبيعي من خلال الوعظ والإقناع، لكن لم يصل إلى نتيجة، لأن الناس مزارعين وبسطاء في معيشتهم وليسوا متفرغين ليقرؤوا ويكونوا فلاسفة، فلاحظ أنهم يغنون في حفلاتهم، فأخذ الألحان الشعبية وركب عليها أشعار دينية وأشعار تتكلم عن العقيدة، والتي كانت هناك عقيدة مناقضة للعقيدة وتسمى الأورثودكسية وتعني الإيمان المستقيم المسيحي. مار إفرام أتى بعده بمائة وخمسين سنة تقريبا، كان أيضا يقوم بنفس الطريقة، ولكن كان ما يزال تأثير برديصان موجود عقائديا، ليمحي هذا التأثير استعمل نفس سلاحه، فأخذ الألحان الشعبية وركب الأشعار والمواعظ، ليس فقط الأشعار، حتى أن لدينا كلام منثور أي كلام بلغة مكتوبة وليس شعرا وركبها على ألحان كانت موجودة وقتها، وسميت هذه بالإفراميات، الإفراميات لا تزال موجودة ونرتلها في الكنائس، مثلا هناك عن العذراء مريم وعن الميلاد وعن الآلام وقصة الصلب، كلها أشعار موجودة لمار إفرام السرياني، وألحانها إنتقلت طبعا بالتوارث الشفهي لم يكن هناك كتابة موسيقية في ذلك الوقت، ولم نحصل على أي شيء من التدوينات، إلا على الأشعار التي بقيت من بعده. ولكن الموسيقى للأسف لم يكن هناك طريقة لتسجيلها ولا لتدوينها، كانوا يعتمدون على التوارث الشفهي، ونحن نؤمن إن التقليد هو ما وصلنا، الإفراميات لا تزال تُرَتَل في الكنيسة، وأثرت مثلا على القرّادة والموشح البلدي والمعنَّى، الأنماط اللبنانية الموجودة في الجبل خاصة، نستطيع أن نقول إن تراكيبها الشعرية وألحانها فيها تأثيرات سريانية من مار إفرام.

والدليل إن هناك ألحان إلى وقتنا هذا في الدنيوي والديني.

تماما نجدها في الاثنين، وحتى في الألحان الشعبية السريانية التي نرتلها في الكنيسة إذا عزفت معها آلة إيقاع يمكنك أن ترقص عليها الدبكة، لن تحصل لأنها دينية، ولكن أنا أتحدث عن النغم وليس عن الكلام، النغم قريب جدا من الألحان الشعبية التراثية الفولكلورية…

هل تحب أن نبدأ رحلتنا مع القوالب بالمناطق أم بالقوالب دون التمييز المناطقي؟

خليل فرحة

خليل فرحة

نستطيع أن نتحدث عن الاثنين معا، إذا أردنا أن نميز القوالب الموسيقية نستطيع أن نقسم القوالب الموسيقية اللبنانية إلى عائلتين كبيرتين وهما: الآتية من الشرق والموجودة في الجبل، في الساحل أعود وأقول التراث أتى فيما بعد مع النزوح السكاني من السهل والجبل إلى الساحل مع النازحين، لم نكن نرى الناس في بيروت يغنون العتابا ولم نكن نراهم يرقصون الدبكة أو الدلعونة، إلا مؤخرا مع النزوح السكاني اللبناني إلى الساحل… من هنا إذا أردت يمكننا أن نميز بين الغناء الطويل وهو غناء المواويل والقصائد، والأغاني التي تغنى مع إيقاع  في الدبكة والرقص الشعبي الموجود في لبنان. نبدأ بالغناء الطويل وهو معروف جدا، ولكن أصوله ليست لبنانية وهو العتابا، العتابا كما تقول الدراسات والتاريخ والكتابات الموجودة بدأت في العراق، ووصلت إلينا عبر سوريا إلى بعلبك وكل الأراضي اللبنانية، وهناك قصة جميلة جدا عن شخص اسمه إبراهيم الفاضل وقد أصابه الجدري، والعشيرة التي كان ينتمي إليها، وهو من الأشراف طردته خوفا من العدوى التي يمكن أن تصاب بها، فرحلوه من القبيلة فصار يمشي في الصحاري حتى وصل إلى لبنان وهو يُعَتِّبْ، أي يعاتب القبيلة على ما فعلت به، وتوجد قصيدة مما قاله، نفس القصة سمعتها في لبنان وسوريا وحدود العراق عن تاريخ العتابة، سنسمع نوع من العتابا التي تغنىها إلى الآن قبيلة طي  في شمال سوريا على حدود العراق، وقد سجلت كيف يغنون العتابا فقط لأقول إن العتابا إسمًا وقالبا شعريا هي واحدة في النهاية، كلنا نركب على الجناس، نركب أربعة أشطر إلخ. ولكن اللحن هو الذي يتغير وطريقة الأداء والصوت ومخارج الحروف وكل تلك الأمور تتغير من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى في البلد الواحد. من هنا نستطيع أن نقول العتابا ليست لبنانية الأصل، ولكن العتابا التي تغنى في لبنان الآن هي لبنانية، والعتابا التي تغنى في سوريا هي سورية، والبدوية هي بدوية، أخذت الطابع اللبناني وأخذت طبيعته وطريقة قوله وطريقة تلحينه وطريقة غنائه اللبنانية، العتابا هي من الأنماط التي على مقام البياتي، أين ما ذهبنا تكون على مقام البياتي إذا كانت تغنى بالشكل العادي وليس الحزين، عندما تكون هكذا تسمى “فروقيات”، وتغنى على الطريقة الحزينة وتلبس مقام الحجاز الذي يعطي طابع حزين.

شجن.

نعم، هناك نماذج صوتية، إذا أردت يمكننا أن نسمع من هذه النماذج، مثلا كيف يغني البدو الذين تحدثت عنهم في البقاع اللبناني على الربابة… وهناك أنماط تغنى أيضا على مقام البياتي أو جنس البياتي لأن لا يوجد مقام بسبب قصر السلم…… وإذا أردت يمكننا أن نسمع أصل العتابا الموجود عند قبيلة طي لكي يأخذ السادة المستمعين فكرة عن كيف كان أصل العتابا في بداياته….

إلى هنا أصدقائنا المستمعين نصل إلى ختام حلقة اليوم من برنامج “دروب النغم”، كان معنا الأب العزيز الأستاذ بديع الحاج، إلى أن نلتقي في حلقة جديدة نواصل فيها الحديث عن الموسيقى الشعبية في لبنان، نترككم في الأمان.

“دروب النغم”.

  2016  /  الإذاعة  /  Last Updated ديسمبر 22, 2016 by  /  Tags:
WP-Backgrounds Lite by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann 1010 Wien