News, Newsletters & Subscription
You are here:   Home  /  الإذاعة  /  133 – المقام العراقي 2

133 – المقام العراقي 2

enar

 

2225-VOCC-A, Rachid El Qoundarji, Ya Rakibi Bi Matahef

­مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية بالتعاون مع مؤسسة الشارقة للفنون تقدم: “دروب النغم”.

أصدقاءنا المستمعين أهلا وسهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج “دروب النغم”، نواصل فيها الحديث عن المقام العراقي أو المقام البغدادي أو المقام في العراق، ويواصله معنا الأستاذ مطرب المقام العراقي، الأستاذ حسين لأعظمي.

آخر سؤال اجتماعي قبل أن نلج إلى الجوانب الموسيقية، في كتب الموسقى، من أول الكتب غير المتخصصة ككتاب الأغاني، يطلقون على الموسيقى الغناء، حتى البعض أطلق علم الغناء، وغناء كذا وغناء القصائد إلخ، باستثناء القرآن كان يقال عليه قراءة القرآن، وكانت القراءة ترتيلا أو تجويدا، لماذا هناك تحديدا في النصف الثاني من القرن العشرين، من أطلق على المقام العراقي فقالوا قراءة المقام وقارئ المقام؟ ألا ينتمي المقام البغدادي أو المقام العراقي إلى علم الغناء؟ ما قولك في هذا؟

طبعا أنا لا أزال وأمامي الكثير جدا من مغني المقام وكتاب المقام ونقاد المقام لا يزالون يلتزمون بمفردة قراءة المقام العراقي، أنا الوحيد الذي أرفض أن أقول قارئ المقام، وإنما مطرب المقام العراقي أو مغني المقام العراقي، لماذا؟ ما تفضلت به كله صحيح، عندما أثبت مغني المقام العراقي، أنا في الحقيقة أحترم هيبة مفردة القراءة، لأن القراءة هي للتلاوة القرأنية وللشعائر الدينية المختلفة، يقول قارئ المنقبة النبوية، يقول قارئ التهليلة، قارئ الذكر، ذكر الله، قارئ المديح، مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.

يقال عنه منشد أحيانا.

منشد، يمكمك أن تقول عنه كل شيء، نحن نقول عنه قارئ، نحن نحصر جغرافيتنا في العراق الأن، فمفردة قارئ ما دامت مفردة دينية بحتة، لأن أول قارئ هو قارئ القرأن الكريم، فأنا حفاظا على هيبة هذه الكلمة واحتراما لها، ليس من المعقول خاصة في بداية القرن العشرين، وأنا ذكرت في كتبي أن المقام العراقي ولد من جديد، الآن أصبحت المسألة الموسيقية في المقام العراقي فيها إبداعات، قصائد خمرية، قصائد غزلية، قضائد غرامية، كل أغراض الشعر وأنواعه أديت في المقام العراقي مع الآلات الموسيقية، ليس من الصحيح أن نسمي الشخص الذي يغني القصائد الخمرية وغير الخمرية قارئ المقام العراقي.

ولكن لماذا أصلا سمي قارئ مقام؟ هل مثلا المقام العراقي كان له بعد ديني فالتالي أطلق على المغني قارئ؟

طبعا هنا تكمن الحكاية أستاذ مصطفى، لأن المقامات العراقية حوفظ عليها من قبل الشعائر الدينية فلا تزال المقامات العراقية تؤدى فعلا في المناقب النبوية الشريفة، وفي كل الشعائر الدينية، لا تزال حتى هذا اليوم. هنا نستطيع أن نسمي من يقرأ هذه المقامات من خلال الشعائر الدينية قارئ، أما أن تغني قصيدة خمرية وقصيدة غزلية وقصيدة رومانسية مع الموسيقى وكذا، ومقدمات موسيقية جميلة وتحليات عديدة وأسميه قارئ، لا يمكن، الآن أصبح مطرب، أصبح مؤدي، أصبح مغني للمقام العراقي، فالمقامات أصلها ديني، والموسيقى كلها أصلها ديني، ولكن المقامات بالذات ونحن نتحدث عنها حوفظ عليها خلال الفترة المظلمة التي مرت علينا وتحدثنا عنها، هذه الفترة لو لم تكن الشعائر الدينية لكان انتهى كل شيء وضاعت مساراته، ولكن الشعائر الدينية حافظت لنا على هذه الأداءات وبقي الناس يؤدون، لأن الشعائر الدينية لها سلطة كبيرة للغاية في المجتمعات، فمن النادر جدا جدا جدا التغيير في المبادئ الدينية، هذا دين وليست دنيا، هذا القصد.

الأن سنبدأ الكلام عن المقام في العراق من وجهة نظر موسيقية، قبل أن نبدأ الكلام موسيقيا، لنسمع شيئا، تحب أن نسمع منك أم نسمع مقام كامل مسجل، وإذا أردنا أن نسمع مقام كامل مسجل صوت من تقترح، وأي مقام؟

كما تشاؤون.

أضع شيئا من احتياري؟

نعم كما تشاء.

rashid-al-Kundargi-www“نسمع مقام ابن حلال وبعدين نرجع نتكملم عن المقام من وجهة نظر موسيقية”…

الغناء والموسيقى، قل لنا عن المقام في هذه الجدلية، وقل لنا وجهة نظرك، ليس مجرد آراء تاريخية، قل لنا توجهك الشخصي.

أنا تخصصت في المقام العراقي، وهو الشيء الوحيد في حياتي، أنا في الرياضة وصلت إلى القمة، فقد كنت بطل العراق في المصارعة الحرة والرومانية، وأحمل شهادة دولية في التدريب، ولكن هذا لا يعني شيئا لي.

لنمسك الخشب.

نحن أيضا عائلة رياضية، فقد لعبت في المنتخب الوطني حوالي خمس سنوات، وجاء منير بشير وأخرجني، ما أريد أن أقوله هو أن لدي هوايات عديدة، في الخط العربي ختمت كراسة الخطاط العظيم هاشم البغدادي، هاشم الخطاط وأنا لم أبلغ سن الرشد بعد، وهي نادرة من نوادر أي خطاط، إنه قبل بلوغ سن الرشد يختم كراسة هاشم الخطاط، فهمت وتعلمت كل قواعد الخط العربي، ولا أزال أتذكرها، لأن العلم في الصغر كالنقش على الحجر. لا أزال أتذكر قواعد الخط العربي، وهو الشيء الوحيد الذي أتأسف على تركه، لم أمارسه لأن المقام العراقي أخذ مني مأخذا كبيرا. فالمقام العراقي هو الشيء الوحيد الذي لا انفصام عنه أبدا، ولهذا السبب غطى على كل هواياتي الأخرى، في السباحة في الرياضة الأخرى في المصارعة، في الخط العربي في كل شيء أنهاه المقام العراقي، أوقفها واستمريت في المقام العراقي، خاصة بعد أن استمع إلي الموسيقار الراحل منير بشير في أحد الحفلات، وأنا كنت ما أزال رياضيا مصارعا، عندما سمعني سألني أين تعمل؟ عندما قلت له أنا رياضيا وكذا، أمسكني بيدي وقال “هذا ليس مكانك، رياضة ماذا! تعالى إلي وأنا سأجعلك تطوف العالم، “مكانك المقام العراقي، أنت ابن بيئة وصوتك جميل”، أقنعني أخيرا، لأني تجاهلت كلامة أول مرة وتركته، ولكنه سمعني مرة أخرى وعنفني وتكلم معي بشدة وقال لي: “يجب أن تأتي غدا إلى دائرتي، تأتي بعوانك وأين تعمل” وكذا، وأول الغيث أخذني معه في جولة أوروبية طويلة، حوالي الشهر والنصف في سبعة دول أوروبية، غيرت كل مجرى تفكيري لحياتي كلها في مسارح عالمية، بالرغم من أنني كنت مرشحا للذهاب مع المنتخب الوطني إلى تركيا، للعب مع منتخب تركيا، ولكنني اعتذرت من الاتحاد العراقي للمصارعة، واتجهت إلى الموسيقار الراحل منير بشير، وكان حظي العظيم، أنا أعترف بشكل عفوي، ولكنه كان الحظ العظيم.

كان هذا في السبعينات؟

هذا طبعا في مطلع السبعينات، فأنا إبن المقام، وأهلي ومنطقتي وجذوري كلها مقام، فبقيت على المقام العراقي، وهو همي الوحيد، فقد ألفت سبعة كتب ومعظمها دراسات، وكما قلت لك فقد أنجزت إنجازات غير المقام العراقي، كلها لا أهمية لها بالنسبة لي، فلا يهمني أن تقول عني مؤلف ولا يهمني أن تقول عني رياضي، ولا يهمني أن تقول عني خطاط، لكن يهمن عندما تقول عني مطرب المقام العراقي، هذه أهم مفردة تمحورت حولها حياتي وهي غناء المقام العراقي.

أتمنى لك الصحة والعمر الطويل والغناء والإنجاز الدائم يا أستاذ حسين.

” الله يعزك الله يعزك الله يخليك”.

فإذن انتماء المقام العراقي لعلم الغناء أو لعلم الموسيقى، رحلة المقام من الجبل إلى بغداد إلى التقنين، متى تظن كان التقنين والانتماء الكامل؟

هذه المسائل التي تفضلت بها ليست بين ليلة وضحاها، وإنما لقرون، تبلورات وتغيرات مستمرة نتيجة تنوع المراحل الثقافية، وتنوع المراحل الثقافية تنوع المراحل السياسية والمراحل الاجتماعاية، الاقتصادية، الفنية،، حياة البلد لها علاقة مباشرة بما يحدث في البلد من خلال هذه السنين أو القرون الكثيرة التي مرت على تاريخ المقام العراقي. حتى خلال القرنين الأخيرين التاسع عشر والعشرين تغيرت كثير من الأمور، خاصة القرن العشرين لأنه تطورت فيه الصناعة التكنولوجية بشكل مذهل ومخيف، حتى اليوم نحن الآن في القرن الحادي والعشرين التكنولجيا مخيفة، ولا نعرف ماذا يريدون من الإنسان في تطوراتهم الصناعية هذه المخيفة. والأهداف المحيطة بهذه العلوم، على كل حال نحن الآن لا نريد أن نتكلم عن سلبيات وإجابيات المسائل التكنولوجية، لكن هي أوصلت لنا المقام العراقي بشكل تقنن فعلا في بغداد من خلال كما قلنا الابتكار العظيم وهو جهاز التسجيل الصوتي، وتسجيل الأصوات القديمة، ولأول مرة الإنسان قد توفاه الله ونحن نستمع إلى صوته حتى هذا اليوم، هذا لم يكن قبل ابتكار جهاز التسجيل الصوتي، هذا يعني إنه كم لهذه البشرية من تاريخ، كل هذه الأصوات والأشياء لم تسجل وذهبت أدراج الرياح. تأمل عزيزي المستمع نحن نتحدث عن ملايين السنين، ملايين السنين قبل جهاز التسجيل الصوتي كلها ذهبت أدراج الرياح، لأن أصواتهم لم تسجل، ولم نستمع إلى أي فنان بالقرن مثلا الثامن عشر، كم يتكلم عنهم المؤرخين في الكتابات، ولكن نحن لم نسمعهم، فما الفائدة! مجرد تكهنات أو ربما تداول كتابي يزداد من كاتب إلى كاتب ربما تكبر كما يقول المثل “الحباية يساونها كباية”، يخلقون أساطير من عندهم ونحن أساسا لم نسمعهم. لكن الآن الجهاز الصوتي قطع دابر الأساطير تماما وأنهاها، فأنت بعد مرور مائة سنة أو مائتي سنة ستسمعهم، وتستطيع أن تقيم إذا كان لديك ثقافة، تستطيع أن تقيم حسب ثقافتك إمكانية فلان وجودة فلان في الغناء أو في الموسيقى، منعطف تاريخي الحقيقة جهاز التسجيل الصوتي. ما أريد أن أشير إليه أستاذ مصطفى هي مسألة أشرت إليها ولم تؤكد عليها الحقيقة، هي الموسيقى الغنائية والموسيقى الآلية، المقام العراقي كما تفضلت ليس كمصطلح المقام العراقي، صحيح هو متصف بالصفة الإقليمية، لكن هذا (المقام العراقي) مصطلح خاص لماذا؟ هو لا يناظر لنقل المقام المصري أو المقام اللبناني أو المقام التونسي أو المقام الأردني، لا يناظر في المضمون من هذه الناحية، وسنقول كيف يناظر، من هذه الناحية. لا يناظر كما قلنا المقام المصري أو التونسي أو كذا لماذا؟ لأن المقام العراقي من السلالم الغنائية، فغرب آسيا كلها سلالم غنائية، المقصود بالسلالم الغنائية هي نتاج البيئة بشكل مباشر، أداءات بيئية، فعندما نقول البلدي المصري هذا سلم غنائي وليس سلم موسيقي، سلم غنائي لأن نشأته بيئة البلدي المصري، الصوت الخليجي، القدود الحلبية، هنا يناظر مصطلح المقام العراقي كما لو أنك تقول القدود الحلبية في سوريا.

أو الوصلة أو الفاصل.

أو الوصلة كما يسميها إخوتنا العرب تتنوع التسميات وإن كان الكل يقصد نفس المعنى أو المضمون. مصطلح المقام العراقي يناظر الموسيقات التراثية في الوطن العربي، كما قلنا البلدي المصري القدود الحلبية الصوت الخليجي الآلة المغربية الغرناطي الجزائري المالوف التونسي. من حيث المضمون المقام العراقي يناظر هذه التسميات، أما السلالم الموسيقية فهي الألحان الفردية نتاج إنساني فردي تأخذ الألحان من سلم، ليس بالضرورة من بيئة معينة، فهذا يصبح سلم موسيقي عام، فقد أخذ من سلم مقام البياتي، بشكل عام قد يأتي أي شخص ويأخذ من سلم مقام البياتي، أي شخص قد يأخذ من سلم مقام الهزام، أي شخص قد يأخذ من سلم مقام الراست، بشكل عام دون أن يتخصص في أسلوب بيئة ما، هذه مقامات موسيقية عامة، وإنما الخاصة هي السلالم الغنائية، هذا هو الفرق عندما نقول سلالم غنائية وسلالم موسيقية.

على كل حال السلم هو عنصر فقط من عناصر تعريف المقام، والكلام هنا عن المقام بالمعنى النغمي وليس بمعنى الوصلة أو المقام في العراق، أقصد إن السلم هو عنصر واحد فقط من عناصر المقام، وقد يكون هناك أكثر من مقام يشترك في نفس السلم، وقد عرفنا عناصر المقام ونوهنا لهذه القصة أكثر من مرة في برامجنا المتعددة، بالإجمال تارة وبالتفصيل تارة أخرى، لكن لنرجع ثانية إلى المقام العراقي.

المقام العراقي إذا سمحت لي أستاذ مصطفى أنت أيضا أشرت إنه غرب آسيا كلها متشابهة، فعلا العامل المشترك هي الأداءات المقامية في كل غرب آسيا هذا صحيح، وحتى من ضمنها العراق، ولكن تجربتي عندما غنيت في بعض دول غرب آسيا، ومنها أذربيجان، في 2009، كنت مدعوا في ختام مهرجان في آخر ليلة، وكان معي في تلك الليلة أشهر مطرب في غرب آسيا وهو عالم قاسيموف، ومطرب إيراني الحقيقة كنت قد استمعت إليه قبل شهر من وصولي إلى أذربيجان، كنا معا في دمشق واستمعت إليه، كنا في مؤتمر مساحات شرقية في الأوبرا السورية، أعجبني كثيرا الحقيقة كان مطرب إيراني رائع، أتذكر اسمه مظفر، بالرغم من كل ذلك ليلة الختام عندما شاهدت من معي كنت مرتبكا قليلا وأشعر بالقلق، لأنها مجابهة فعلا مع مغنين كبار، أنا سمعت الأيراني، وعالم قاسيموف معروف في كل غرب آسيا ومطرب كبير، ولكن لله في خلقه شؤون، عندما غني عالم قاسيموف وغنى المطرب الإيراني كنت أنا الأخير، وعندما غنيت وإذا بنا ننجح نجاحا كبيرل، لا أعتقد إنه بالضرورة إمكانياتنا الجيدة هي التي أثارت الاهتمام، وإنما الأسلوب الراقي لغناء المقامات يبدو هو ما كان مثيرا لهم. هناك اختلافات، والاختلافات طبيعية لأن العراق لا يقع تماما ضمن الجغرافيا المعينة لكل غرب آسيا، وإنما هو على الأطراف. العراق يتمتع بعمق عربي إسلامي، وتأثيرات غرب آسيوية، يقع في وسط هاتين الجغرافيتين، هذا الشيء هو الذي مزج الغناء العباسي العراقي الحقيقي أو الغناء البغدادي الحقيقي، أقصد غناء بغداد كمدينة بيئة متحركة. بيئة علمية فكرية عقلية، بيئة متحركة وهي البيئة الوحيدة من كل البيئات على الإطلاق، كمدينة البيئة الوحيدة المتحركة، في كل يوم شكل في كل يوم تغييرات، لأنها مركز عقل. هذه البيئة المتحركة امتزجت ببيئة ثابتة وهي البيئة الجبلية التي سردنا الكلام الكثير عنها قبل قليل، هذا الامتزاج بين البيئة المتحركة بالبيئة الثابتة ولد شيء يختلف عن الثبات الدائم لكل المقامات والأداءات المقامية في غرب آسيا، هذا المزج بين المتحرك وبين الثابت ولد مقامات تقننت وسميت اصطلاحا بالمقام العراقي…

حتى التنظير للمقام العراقي هو تنظير غريب قليلا، تشعر إنه كما تفضلت حضرتك أشبه بالتنظيرات الفارسية والآذرية وتنظيرات غرب آسيا بشكل عام، وأحيانا تشعر إنه أشبه بالتنظير العربي الحديث، تنظير غريب.

أستاذ مصطفى سأخبرك أمرا، أنا أعتقد وهذا كلام أقوله في الإذاعة وإن أكن لا أتحدث به دائما، قليل جدا أو نادر وربما لم أتحدث به من قبل، التأثيرات يجب أن نعترف إن هناك تأثيرات مباشرة وغير مباشرة في غناء العراق، خاصة في المقامات العراقية من الغرب الآسيوي، وخاصة تركيا وإيران، لأننا لدينا مع إيران أكثر من 1000 كيلومتر من الحدود، وأكثر من 500 كيلو متر مع تركيا، هي حدود مباشرة، اتصالات ثقافية على مدى التاريخ موجودة، تفاعل اجتماعي ثقافي سياسي، كل مجالات الحياة هناك تفاعل موجود. ولكن نحن في نفس الوقت عرب، وننتمي إلى الوطن العربي،  حتى أنا أذكر إنه مرة سإل الفنان الكبير محمد عبد الوهاب عن الأغنية العرابية قال بالحرف الواحد: الأغنية العربية كلها في كفة، والأغنية العراقية في كفة، وهو يقصد المفهوم الفولكلوري العلمي للبيئات، يريد أن يقول إن العراق يتمتع بخصوصية غير موجودة في الوطن العربي. يتمتع بالتأثيرات الآسوية مع الغناء العربي، امتزجت فأنتجت شكلا مختلفا للأغنية العراقية عن الأغنية العربية، الأغنية العربية كلها في كفة واحدة. هو يقصد المفهوم الفولكلوري للأغنية أو للموسيقى، إجابة تثبت ما ندلي به الآن من قول حول المقام العراقي، هناك كلمات أعجمية موجودة في المقام العراقي لأن التأثيرات التركية والفارسية كما قلنا موجودة، ولهذا السبب خاصة الحكام اللذين كانوا يحكمون في بغداد في الفترة المظلمة، وحتى قبل العثمانيين الصفويين وغيرهم من اللذين ذكرناهم، تداخلت مع اللغة العرية ومع الغناء العراقي خاصة أكثر من أي منطقة عربية. دخلت فيه كلمات أعجمية كثيرة، ثبتت فيه لأن فترة سقوط الدولة العباسية سبعة قرون لغاية 1958 خضع العراق وخضع الوطن العربي كله وكان الحكام كلهم من غرب آسيا، المغنون أيضا انتقلوا إلى بغداد طلبا للرزق والكسب من الولاة والسلاطين، فبدؤوا يغنون باللغة التي ينتمي إليها السلطان أو الوالي.

تقربا.

تقربا له وتكسبا منه، وهكذا دخلتت هذه التفصيلات في صلب المقامات العراقية،  دخلت كلمات أعجمية كثيرة.

وهذا ليس عيبا على كل حال.

لا هذا واقع حال ليس بتكلف أو بتصنع، ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد للأسف الشديد، بل وصل إلى المسائل العلمية الموسيقية، الآن المسائل العلمية للسلام الموسيقى العربية وكل الدرجات وغيرها معظمها مفردات أعجمية سواء تركية  أو  فارسية تصوروا! والعتب أنا من وجهة نظري ويسمعني الأستاذ مصطفى باعتباره مصريا عربيا، أعتب على مؤتمر 1932 لأنه كان فرصة ذهبية أن يُرجع المفردات العربية لأسماء الدرجات الموسيقية، ولكن أبقى عليها وأبقى على هذه الكلمات الأعجمية حتى اليوم، وأصبحت مادة علمية يتداولها كل دارسي الموسيقى في الوطن العربي.

ولما أضاف فاف المصطلحات الغربية.

نعم.

لا تعليق.

طبعا أكيد، نحن في بداية القرن العشرين بدأت نهضة جديدة بنفس عربي وطني لتنقية غناء المقام العراقي من هذه الكلمات الأعجمية، وأنا أعتقد كل اللذين بادروا بهذه المبادرة، ومن ضمنهم القبنجي وبعض المغنين وبعض النقاد عملوا على إزالة بعض الكلمات الأعجمية. ولكن في الحقيقة عندما ترجع إلى هذه الإنجازات فقد كانت إنجازات جمالية ولم تكن إنجازات فكرية، لأن هناك بعض الكلمات الأعجمية التي أبقوا عليها وبعضها أزالوهها، فإذن هذه أعجبتهم فأبقوها والتي لم تعجبهم أزالوها. ليس منظور فكري لتعريب فعلا المقام العراقي من كل شائبة غير عراقية وغير عربية، منذ أسطوانة المنبر الخامس الآسوي الذي كان أتصور في أستراليا، في تلك الاسطوانة غنيت مقام صبا موجودة ضمن المنبر، غنيت مقام صبا دون أن ألفظ أي كلمة أعجمية حتى هذا اليوم، منذ ذلك اليوم تسجيلاتي الرسمية تماما لم ألفظ بها أي كلمة أعجمية، محاولا من ناحية وطنية قومية أن أعرب غناء المقام العراقي. فالمسألة أعتقد أنها مسألة قومية وطنية فكرية لا بد منها حتى لا يظل العامل النفس ينتمي أو مشتت إلى هنا وهناك، حتى وإن كان ذلك باللاوعي، فنحافظ على وعينا ونعرب هذه المقامات إلى القصائد العربية المباشرة.

يا سيدنا هنا أيضا تتعدد الآراء، هناك رأي يقول وبصراحة أنا مؤيد لهذا الرأي، عذرا فأنا لست حياديا هنا، نشأة الموسيقى المقامية الفصحى هي نشأة واحدة، سواء تم غنائه بالعربي أو بالتركي أو بالفارسي أو بأي لغة ثانية أو بأي لهجة من لهجات المحليات العربية أو غيره، هي نشأة واحدة، ولا أفهم بصراحة لما يريد الفرس إزالة الكلام العربي من الدستكاه، والآتراك يريدون إزالة الكلام العربي من الفاصل، ولماذا نحن نريد أن نزيل الكلام الأعجمي سواء التركي أو الفارسي من وصلاتنا أو من المقام العراقي إلخ، أنا صراحة لا أعرف.

إلى هنا سادتي المستمعين نكون قد وصلنا إلى نهاثة حلقة اليوم من برنامج “دروب النغم”، الشكر الجزيل للأستاذ حسين الأعظمي، والشكر أيضا لكل من استعرنا من مكتباتهم الموسيقية، وكما ذكرنا في الحلقات السابقة فإن حلقاتنا عن المقام العراقي تتضمن تسجيلات من مكتبات الشيخ خالد آل ثاني، الدكتور محمد السبكي، الأستاذ أحمد الصالحي بالإضافة إلى مقتنيات مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية، إلى أن نلتقي في حلقة جديدة نواصل فيها الحديث عن المقام في العراق نرككم في الأمان.

“دروب النغم”.

 

  2015  /  الإذاعة  /  Last Updated أكتوبر 15, 2015 by Naji Zahar  /  Tags:
WP-Backgrounds Lite by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann 1010 Wien