News, Newsletters & Subscription
You are here:   Home  /  الإذاعة  /  090 – الكمان 2

090 – الكمان 2

enar

 

مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية بالتعاون مع مؤسسة الشارقة للفنون تقدم: “دروب النغم”

أهلا وسهلا بكم سادتي المستمعين في حلقة جديدة من برنامج “دروب النغم”. نواصل فيها الحديث عن آلة الكمان، ولكن قبل أن نستكمل الحديث مع الأستاذ أحمد الصالحي نحب أن ننوه أننا سنتناول جميع الآلات في أكثر من موقع ومع أكثر من شخص ومن أكثر من وجهة نظر، فقط هذا كان للتنويه أننا لن نستضيف شخص واحد لكل آلة، وإنما في خلال دورات البرنامج المتعاقبة على مر السنين إن شاء الله سنحاول تقديم مختلف وجهات النظر في كل منحى من المناحي التي قدمناها، الآن نواصل الحديث مع الأستاذ أحمد الصالحي، وكنا قد انتهينا في الحلقة السابقة عند زمن إبراهيم سهلون وأنطوان الشوا.

سامي الشوا

سامي الشوا

في زمن إبراهيم سهلون  وفي زمن أنطوان الشوا ظهر سامي الشوا، إبن أنطوان، وسامي الشوا نستطيع أن نقول بأنه ساهم في تأسيس مدرسة للكمنجة العربية، فإذا أردنا الكلام عن عازف يعزف أرباع الطنين أي البياتي والسيكاه ويستخدم بعض التقنيات، لم نكن نستطع القول أنها مدرسة إلا بعد ظهور سامي الشوا، فقد عذى هذا الأسلوب بالكثير من التقاسيم والقطع موسيقية والارتجالات، بالإضافة إلى استخدام الكثير من التقنيات المعروفة في الموسيقى الغربية والموسيقى الشرقية، ونستطيع أن نقول بأن كل التقنيات التي أوضحناها اليوم موجودة عنده، بالإضافة فقد أثر على أشخاص آخرين، وأخذ من الموسيقى التركية الكثير، فقد أخذ من جميل بيك طنبوري أساليب عزفه وأخذ من غيره أيضا، ووظف هذه التقنيات في الموسيقى المصرية أو العربية بشكل عام.

ويبدو أنه أيضا استمع إلى ما هو أبعد من الموسيقى  التركية، يبدو أنه سمع موسيقات وسط آسيا وإيران والمغرب العربي أيضا، يبدو أنه مضطلع بشكل جيد.

صحيح فقد كان لديه انفتاح في هذا الموضع، لذلك عندما سجل مع العراقيين في فترة ما كان منسجما جدا معهم، موسيقى سامي الشوا تحمل طابعا خاصا به، أي شخص خبير بسامي الشوا سيقول الذي يعزف هذه الأغنية العراقية هو سامي الشوا، وفي نفس الوقت ملائم للموسيقى العراقية، لذلك هو لديه هذه الخصوصية.

نفس القصة مع التونسيين والخليج العربي واليمن، 

نعم فقد سمعت له بعض التسجيلات مع الكويتيين، سجل “أصوات” و”خَمٌاري” وهي من أنواع الغناء الكويتي، من أجمل ما يكون وبشكل مسجم جدا، ولم يتخلى عن أسلوبه.

يبدو أنه كان لديه هم ما له علاقة بالموسيقي كعازف بشكل عام، حتى أنه كان يصر على أن يكتب على الاسطوانة “كمنجة سامي الشوا”، إلى أن أصبحت “كمنجة سامي الشوا” علامة فارقة (ماركة مسجلة) في عالم الاسطوانة، لدرجة أنها أصبحت حيلة تجارية، فلدينا مثلا أكثر من أسطوانة مكتوب عليها “سورة يوسف … كمنجة سامي الشوا”، فيبدو أنه هو كشخص كان له هم ما بمكانة الموسيقي كعازف.

لو رأينا التاريخ الموسيقى العربي، سنلاحظ أن أكثر الموسيقيين، الموسيقيين كموسيقيين وليس مطربين، أكثرهم نشاطا وتسجيلا وتأثيرا هو سامي الشوا، أكثر من عازفي العود والقانون وعازفي الكمنجة الآخرين إلى اليوم، فتأثيره كان عاليا جدا وكمية المقطوعات التي سجلها لوحده أو مع التخت، ليس في الأغاني، القطع الموسيقية والتقاسيم والارتجالات كلها كمية تفوق أسطوانات الكثير من المطربين، وهناك فرق ما بينه وبين أي عازف آخر، فشخص مثل القصبجي عازف كبير ومهم على العود وله شهرة كبيرة، ونجاح عظيم في التلحين، عدد أسطواناته أقل من سامي الشوا بكثير، لذلك سامي الشوا بالإضافة إلى تأسيسه تقنيات وأساليب عزف، أيضا أسس مفهوم للكمجة وأهمية الكمنجة في الموسيقى العربية، اليوم مثلا في الجلسات وفي التجمعات الموسيقية الخاصة إذا استخدموا العود والكمنجة في التخت، دائما الكمنجة هي التي تأخذ قسم التقاسيم، الارتجالات دائما عند الكمنجة، إذا كان هناك جمل جميلة تكون من الكمنجة، إذا كان هناك عازفين آخرين على الناي أو على العود قد يعزفون مرة أو مرتين في الأغنية، مثلا قد يقسم العازف مرة في حين قد تقسم الكمنجة أكثر من مرة في الأغنية، هذه الأشياء وإن لم نحسبها أو نجري لها دراسة، لكن هذه كلها بتأثير وجود عازف أسس لأهمية آلة الكمنجة في التخت العربي.

المظاهر التقنية عند سامي الشوا وتطويره لمن قبله.

طبعا أهم شيء يظهر في القوس، القوس عند سامي الشوا متقدم جدا، لديه أغنية عراقية اسمها “يا نجمة في الليل” مع منيرة الهوزوز يختم الوجه الأول بحركات موسيقية وتقنيات موسيقية خارقة، تكشف عن وجه آخر، فنحن عادة لا نراه بشكل تقليدي في الموسيقى المصرية، قام بأشياء استعراضية خطيرة جدا أتوقع أنه كان يقوم بها في الجلسات الخاصة خارج إطار التسجيلات، مثل هذه المستويات يظهر بأنه كان يتمرن، وفعلا في أحد اللقاءات الصحفية سألوه عن سر تميزه الموسيقي، لم يقل مثلما ما يقول أغلب الموسيقيين “الموهبة”، بل قال: المران الطويل، فأنا أتمرن كثيرا. في هذه المقابلة كان عمره تقريبا سبعين سنة، قال سبب التميز هو أنني أتمرن كثيرا، بالإضافة إلى الموهبة طبعا، فهذه المعلومة تنم على أنه كان يتمرن بشكل متواصل، المشكلة لا ندري كيف كان يتمرن، هل كان يتمرن بشكل غربي؟ أم كان يبتكر تمارين خاصة به؟ أتوقع أن هذا ما كان يحصل.

كتابه يقول ذلك يا أحمد.

 

عبده داغر

عبده داغر

 

عبده داغر

عبده داغر

 

نعم، هناك حالة موسيقية أخرى وهي كمنجة عبده داغر، هو يبتكر التمارين الخاصة به، وابتكاراته ناجحة جدا لأنها أوصلته إلى مرحلة أن يعبر عن موسيقاه بشكل مرضي بالنسبة له، فإذن أتوقع أن العازف الشرقي أو العربي لديه القدرة على ابتكار تمارين خاصة به، بحيث أنه يستطيع أن يعزف ما يحبه. 

وهذه دعوة أخرى لتلامذة عم عبده، لا تتكاسلوا عن توثيق هذا الرجل.

صحيح ليتهم يدونون التمارين التي يقوم بها ليستفيد منها أكثر عدد ممكن من العازفين، مع أنه موجود اليوم وبصحة جيدة، ولكن نتمنى أن يتم توثيق كل التمارين التي يقوم بها، حسب ما أعرف لديه تمارين “للثرلات” (thrills)، ولديه تمارين للحليات أو للجملة، فالمسألة ليست فقط تقنيات، طريقة عزف حركة معينة من مجموتعة نغمات هو يتمرن عليها. مثلا أنا سأبتكر جملة ليست من جمل عبده داغر، كان يأخذ هذه الجملة ويضيف عليها “ثرلات” ويضيف عليها “الزحلقة” (gpss) لتصبح بشكل أجمل، ويوظف هذه الجملة على مقامات مختلفة وفي أماكن مختلفة وضمن سياق مختلف في كل مرة، ففكرة التمرين مثلا عند عبده داغر حسب ما سمعته في شريط كاسيت (cassette)، الموضوع ليس فقط تقنيات “ثريل” وقوس وموقع (position)، أيضا جملة موسيقية يمكن أن يتمرن عليها، وإذا تكلمنا عن الموسيقى الغربية سنلاحظ أن كل التمارين الموجودة هي في الأساس تمارين أوجدها شخص معين “كودزر” أو غيره، أوجدها لأنه مثلا يمرن نفسه  ويمرن تلاميذه، ثم سجلها في كتاب وهذا الكتاب استمر، العازفين توفوا والكتاب استمر إلى اليوم والناس تستفيد منه، فنتمنى أيضا من العازفين العرب أن يدونوا تمارينهم، سواء تلاميذ عبده داغر، أو عازف آخر مميز يدونوا تمارينه بحيث يتم تطوير هذه التمارين ليستفيد منها أكبر عدد ممكن من العازفين العرب. 

“يا سيدي يسمع من بؤك ربنا، تعالوا نسمع تقسيمة بنت حلال لعم عبده”.

  نعم.

أما الجيل الثالث فنحن نعرف أن هناك أقوال عن أن سامي الشوا قد أنشأ مدرسة مع منصور عوض سنة 1906، سامي الشوا من بداية ظهوره وهو مهتم بالعملية التعليمية، وفي واقع الأمر هذا الموضوع أثمر.

صالح الكويتي

صالح الكويتي

طبعا أثمر عن تلاميذ كثيرين، أكثر العازفين اللذين ظهروا بعده يحملون خصائص موسيقية منه، نذكر منهم جميل عويس، ونذكر مثالاً بارزاً وهو صالح الكويتي. صالح الكويتي أسس مدرسة أيضا لعزف الكمنجة بناء على أسلوب سامي الشوا، أو تطوير أسلوب سامي الشوا. أسلوب صالح الكويتي نستطيع أن نقول أن فيه أسلوب غربي أكثر، الارتجال أقل بقليل، الارتجال عند سامي الوشا هو أعلى ما يمكن، هو مستسلم للخيال الموسيقي الموجود عنده، أما صالح فالموضوع كان مرتبا أكثر عنده، مع وجود الارتجال بالتأكيد كان يتمرن على تمارين غربية بشكل أو بآخر، أيضا نجد أن الثرلات أقل قليلا من سامي الشوا، كذلك يستخدم الأسلوب العراقي الذي كان يسمعه في الغناء الريفي مثلا، وأخذ يطبقه على الموسيقى، بحيث أنه أسس طابعاً موسيقياً عراقياً في العزف. قبل صالح الكويتي لم يكن هناك طابعاً عراقيً إلا على العود نوعا ما وقليلا على القانون، وأيضا لو عدنا لسماع العازفين اللذين قبل صالح الكويتي سنلاحظ أن التأثير المصري واضحا لديهم نوعا ما، لأنهم كانوا يتعلمون من الاسطوانة. مع صالح الكويتي أصبح هناك تأثير عراقي أوضح، يمكنني أن أعزف لك جملة عراقية من الجمل التي كان يقدمها في تسجيلاته عادة مع مطربين الريف، مثلا من نغمة البياتي، هنا أسلوب (gpss) مثلا نستطيع أن نقول أنه بطيء.

“ربابة ستايل (style)”.

طبعا هو أخذ الأسلوب من التراث المحلي الموجود عنده، (vibrato) أكبر، ويستخدم “الثريل” الكبير الواضح الذي له شبيه في الموسيقى الغربية، وظفه أكثر في موسيقاه الخاصة. 

له شبيه في الجوزة العراقية.

صالح الكويتي

صالح الكويتي

طبعا أكيد هناك تأثير في المقام وكل المعطيات الموسيقية الموجودة ذلك الوقت في العراق. صالح الكويتي أسس أيضا أسلوب عزف  للأصوات عندنا في الكويت، فأسلوب التقاسيم في الصوت اليوم نوعان: نوع مصري ظهر في الستينيات مع ظهور التلفزيون والإذاعة، عندما أحضروا عازفين مصريين، أخذوا يعزفون مع مطربي الأصوات والأغاني الشعبية، فقدموا تقاسيمهم،. هذا الأسلوب المصري، وهناك أسلوب صالح الكويتي الذي يعتمد على التقاسيم الموزونة التي تعتمد على وزن الإيقاع نفسه، ليست فالتة/مرسلة أو خارج عن الإيقاع بل ملتزمة بالإيقاع، يمكنني أن أعزف لك إيقاع 4/6 “عربي”، وسنسمع من خلاله وضوح الإيقاع مع عزفه، نلاحظ هنا أن الأسلوب إيقاعي قليلا في العزف، طبعا ليس معنا اليوم إيقاع لكن تقطيع النغمات يبين أن العزف نفسه يحاول أن يكون على إيقاع الصوت العربي أو الشامي، فقد خلق أسلوباً عراقياً وخلق أسلوباً خاصاً بالصوت في الكويت والبحرين، أيضا داخل الموسيقى العراقية خلق النوع الريفي، وخلق نوعاً للموسيقى البغدادية، فقد كان غنيا جدا، كما أنه عزف فارسي وعزف تركي وكردي، وعزف القطع المصرية، فكان ما شاء الله خيالة كبير جدا، ولديه القدرة على أن يترجم هذا كله بأساليب مختلفة ضمن أسلوبه الخاص به. 

هذا أيضا كان طرح من سامي الشوا قبله، فالجانب التعليمي عند سامي الشوا بدأه مع نفسه، ويبدو انه كان يريد ذلك، كان يريد من العازفين أن يعزفوا كل اللهجات ما أمكن.

صحيح وللعلم أن صالح أيضا أسس مدرسة لتعليم الكمنجة في العراق مع أخوه داود الكويتي لتعليم العود والكمنجة، فنستطيع أن نلاحظ التشابه وإن كان طبعا الكثير من الموسيقيين أسسوا مدارس، لكن أستطيع أن أرى أن هناك تأثير واضح من سامي الشوا على صالح الكويتي، سواء في الموسيقى أو خارج الموسيقى، في أسلوب التعاطي مع فكرة الموسيقى نفسها، سنجد عند صالح أن بعض مؤلفاته أغلبها عبارة عن رقصات. 

مثل سامي. 

مثل سامي، سنلاحظ أن بعض الاسطوانات العراقية تنتهي بتقاسيم، تقاسيم موقعة على البمب، أو حرة مثلما كانت في الاسطوانات المصرية التي عزف فيها سامي الشوا، فهناك أشياء متشابهة، أو تأثيرات من سامي الشوا، وأفكار سامي الشوا على صالح الكويتي.

نسمع شيئا لصالح؟

نسمع قطعة موسيقي بعنوان “ملاقاة الحبيب”، لونغا على مقام الراست.

أكيد أن هذه الطريقة في العزف والتطوير المبني على ما لدينا مع الاعتماد على كل الخبرات التيي أسسها سامي الشوا، تطورت مع صالح الكويتي وتطورت مع جميل بشير في العراق، ومع عبده داغر نوعا ما في مصر، ومع أيضا الشباب حتى الآن، ولكن هذا التيار تراجع  في منتصف القرن العشرين أمام الرغبة في التثبيت، الرغبة في إعمال الورقة مكان العقل، فيعني ندعوا إن شاء الله أن يعود هناك وعي أكبر لفكرة التطوير الممبني على الداخل، وفكرة إعمال العقل في اللحن وتأويل النص الموسيقي بروح جماعية، وفي نفس الوقت دون الاعتماد على الحرف أو على الورقة بمعنى أدق، وبما أننا نتكلم عن المعاصرة، وبما أنه لا يزال هناك أمل دعونا نختم حلقة اليوم يا عم أحمد دون أن نقول بأننا ختمنا، نختمها معك أنت وإلى أن نلتقي في حلقة جيدية نترككم في الأمان؟

“دروب النغم”.

 

  2014  /  الإذاعة  /  Last Updated ديسمبر 11, 2014 by Naji Zahar  /  Tags:
WP-Backgrounds Lite by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann 1010 Wien