News, Newsletters & Subscription
You are here:   Home  /  الإذاعة  /  071 – الشيخ يوسف المنيلاوي 1

071 – الشيخ يوسف المنيلاوي 1

enar

 

051-YMN FRED A, Manyalawi, El Boulbou lGani IIIمؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية بالتعاون مع مؤسسة الشارقة للفنون تقدم: “من التاريخ”

سادتي المستمعين أهلا وسهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج “من التاريخ”، وحلقة اليوم عن الشيخ يوسف المنيلاوي، يحدثنا فيها الأستاذ الدكتور فريديريك لغرانج فيقول:

نبدأ هذه الحلقة بما قاله عز العرب علي في المجلة الموسيقية بتاريخ 1937، أي تقريبا خمسا وعشرين سنة بعد وفاة الشيخ يوسف المنيلاوي، يقول: “انحدر الشيخ فيما أخبرنا به الأستاذ مخضرم الموسيقيين إبراهيم شفيق من أبوين فلاحين من “منيل الروضة”، كانا صالحين فأنشآه على التقوى وخوف الله، ولما شب أسلماه إلى الكتاب يقرأ القرآن ويتعلم تجويده وترتيله، فصحب جماعة من المنشدين كانوا يصيبون الطريق، فتعلم منهم شيئا من الإنشاد شدا به، فكان أطيبهم صوتا وأحذقهم إلقائا، وامتاز بين أقرانه وما يزال صبيا برخامة الصوت وعذوبته ونقاء الحنجرة وصفائه، فلما أحس ذلك من نفسه اشتهى الغناء، وطلب هذا الغناء وتجشم فيه حملا ثقيلا، كان نصف غنائه إلهام ونصفه تعليم، كلا النصفين كانا آية المعجزات في الفن لأن الإلهام من معجزات السماء والعلم من معجزات الأرض”، انتهى الذكر. هذه المعلومات لا أدري إن كانت صحيحة، ولا أدري فعلا إن كان الشيخ يوسف يدعى يوسف خفاجة المنيلاوي لانتمائه إلى عائلة كانت تمتلك أرضا في جزيرة “منيل الروضة” التي أصبحت الآن في وسط القاهرة، وكانت جنوب القاهرة في أواخر القرن التاسع عشر، أم كان من أصل صعيدي كما قيل أيضا، على كل حال ما نعرفه هو أن الشيخ يوسف المنيلاوي بدأ حياته منشدا وليس كمطرب، بل الشيخ يوسف المنيلاوي خير مثال على تحول المنشد إلى مطرب بسبب تغير وتطور صورة المطرب في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.

عائلته تقول أنه من “مطاي”، وعلى الأرجح هذا صحيح، وأما لقب المنيلاوي فذلك لأنه عاش في “المنيل” وتاجر في القصدير.

مسألة احتراف الغناء أم احتراف التجارة تبدو مكررة في كل المصادر التي تذكر مطربي أواخر القرن التاسع عشر، يبدو أن فكرة امتهان الموسيقى كانت مرفوضة اجتماعيا، ومن يريد أن يحتفظ بمكانته في المجتمع لا بد أن كان مغنيا يتظاهر بأنه يطرب السامعين لمجرد متعة الطرب وليس كمصدر دخل، شأن الشيخ يوسف المنيلاوي في ذلك شأن عبده الحامولي الذي قيل أنه ترك الغناء فترة وجرب حظه في تجارة الأقمشة، ثم انتهت هذه القصة بالإفلاس، فاضطر إلى أن يعود للغناء، فالشيخ يوسف تقريبا يمثل نفس هذا التردد أمام الغناء وأمام الموسيقى، وأمام موسيقى التخت لأن الفارق ما بين الشيخ يوسف المنيلاوي وعبده الحامولي وكان الاثنان صديقين ومنافسين في هذه الفترة، الفارق بينهما هو أن عبده الحامولي بدأ في مجال الغناء الدنيوي، بينما الشيخ يوسف المنيلاوي خير مثال على المنشد مطربا، هو المنشد الذي رأى أن احتراف الغناء أمر مقبول بسبب دعم الدولة أي المؤسسة الخديوية الفنون الجميلة نظرا إلى طموح العرش المصري إلى منافسة اسطنبول،  هذا ما نراه واضحا في نفس المقالة التي أشرت إليها، تقول نفس المقالة في هذا الصدد: “جرى ذكر الشيخ يوسف المنيلاوي على ألسنة الناس وسبقته شهرته إلى الآفاق، فلما أبديت الرغبة السنية أي رغبة الخديوي إسماعيل مصلح مصر ورب مدنيتها الحديثة في إيفاد طائفة من المغنيين يطربون في حضرة خليفة المسلمين السلطان عبد الحميد، كان الشيخ وسنه لا تتجاوز الثلاثين إذ ذلك في صدر اللذين وقع عليهم الاختيار ليمثلوا في الحضرة العلية، فتوجه إلى الأستانة هو وعبده الحامولي والشيخ محمد الشنتوري ومحمد عثمان وأحمد حسنين، يصحبهم تخت من مشاهير العازفين: أحمد الليثي عازف للعود وإبراهيم سهلون عازف للكمان ومحمد العقاد عازف للقانون وعلي صالح عازف للناي، فلما صفي لهم المجلس وأعدت لهم فيه الأرائك وجلس الخليفة وراء الستار يستمع، بدأ عبده الحامولي يتغنى دوره الشهير “مليكي أنا عبدك” وعقبه الشيخ يطرب بأبيات كان قد أعدها لهذا الموقف مطلعها: “ته دلالا فأنت أهل لذلك وتحكم فالحسن قد أعطاك”، )طبعا مع الأسف الشديد هذه القصيدة لم يسجلها الشيخ يوسف على أسطوانة في بداية القرن العشرين، نعود إلى النص( فطرب السلطان ووقع الشيخ من قلبه كل موقع، واشتهى السلطان أن يزيده، فأمر فاستدعي في حضرته ينشده ويتغنى أمامه دون ستر أو خباء، ولقد بلغ من إعجاب السلطان بالشيخ أن اختصه بشرف صلاة الجمعة معه في جامع “آيا صوفيا”. يا ترى الشيخ يوسف المنيلاوي ونتحدث هنا ربما عن سنة 1880، علما أن الشيخ يوسف ولد حوالي سنة 1847 أو 1850، يعني إذا كان في الثلاثين من عمره 1850 زائد ثلاثين أي حوالي سنة 1880، هل نفهم من هذا الكلام أن الشيخ يوسف المنيلاوي ذهب إلى الأستانة منشدا أم مطربا، أو ربما كانت هذه بداية التحول من المنشد إلى المطرب، علما بأن اختيار الخديوي إسماعيل لم يكن ليقع عليه إن لم يكن مشهورا ذائع السيط في هذه الفترة.

الشيخ يوسف المنيلاوي

الشيخ يوسف المنيلاوي

من يدري ولكن من المؤكد أنه كان مشهورا كمنشد يبدو وقارئ أيضا، لكن المتحدث في هذا النص وكأنه كان يحضر هذه الجلسة، يعني من المعروف أنه ليس من الممكن أن يكون عبده الحامولي قد غنى أدواراً أو دوراً قبل أن يكون هناك وصلة كاملة إلخ، هناك شبهة رغبة في تسليط الضوء على شخص واحد دون آخر، لكن حكاية أنه أنشد “ته دلالا فأنت أهل لذلك” إن كان قد أنشدها فعلا وحكاية صلاة الجمعة تثبت نوعا ما أن وجوده في حضرة السلطان كان كمنشد، وأيضا إذا أفدنا أنه استدعي في حضرة السلطان للغناء دون ستر أو خباء معناه أنه استدعي دون الموسيقيين الآخرين، فهذا يعني أنه ينشد دون تخت، فمن يدري فحسب دقة هذا النص نستطيع أن نقول أنه ذهب منشدا أم مرحلة انتقالية.

الشيء الأكيد هو أن الشيخ يوسف المنيلاوي الذي نعرفه من خلال الاسطوانات التي أنتجت في سنة 1905 هي أولى أسطواناته لصالح شركة “بيكا” الألمانية، ولكن صدرت بملصق “سمع الملوك” وكانت تباع في محلات “أوروزدي بك” الشهيرة في القاهرة، ثم شركة “غراموفون” ابتداء من سنة 1907 إلى سنة 1911 سنة وفاته، كل هذه الاسطوانات تظهر رجلا يعتبر من أبرع وألمع مطربي عصر النهضة في الشرق الأوسط.

“مشيها فحول عشان ما نزعلش أحمد عبد الجواد”.

“فعلا فحل من أساطين الغناء العربي”. هذا الرجل لم يترك قالبا من الموسيقى الفصحى إلا وتغنى به ، وترك جانبا كل القوالب الخفيفة كالطقطوقة إلى آخر ذلك، هو مقل كثيرا في أداء الموشحات، ربما لاحقا عندما نستمع إلى أحد الأدوار التي سجلها سنفاجئ بأنه يغني موشحا في آخر الدور لتكملة وجه الاسطوانة، هذا طبعا مخالفا لأعراف للوصلة لأننا نعرف أن الوصلة تبدأ بالموشحات ثم تلي الموشحات القطعة المرتجلة الصوتية كالموال، ثم بعد ذلك إما الدور أو القصيدة الموقعة في الوصلة الثالثة، هذه الوصلة التي تختم بها السهرة، ولكن أن يغنى موشح مباشرة بعد الدور هذا مخالف لأعراف السهرة، وقد يكون السبب أو علة هذا التصرف العجيب ضرورات التسجيل وضرورة تكملة الاسطوانة، ولكن مقارنة بمعاصره سيد السفطي، مع أنه طبعا سيد السفطي أصغر سنا من الشيخ يوسف المنيلاوي، مقارنة به يعتبر مقلا للغاية في تسجيل الموشحات، فلا أجد شرحا لذلك إلا أنه تخصص في أداء القصائد والأدوار، وبالنسبة إليه كانت الموشحات بمثابة المقدمة، أي مقدمة الوصلة ولكنه لم يكن يعير هذه القطع الموسيقية نفس الأهمية التي كان يخصصها لها مثل الشيخ سيد السفطي أو غيره من مطربي هذا الجيل.

إذا هو كان له نمطي غناء، نمط كمطرب على التخت ونمط آخر كمنشد كما كانوا يقولون أنه كان يغني في رمضانن فيحيي كل الشهر في بيت أو في الجوامع إلخ، وكان يأذن وينشد قبل الفجر، إذا كان عنده هذان النمطان في الغناء لا يمكن أعتقد أن يغني موشحات أو طقاطيق، أو لا يمكن أن يلتزم كثيرا بألحان سابقة التلحين دون أن يحب التفريد عليها.

يوسف المنيلاوي رب الدور في عصره، يتغنى بأدوار عبده الحامولي ومحمد عثمان، ويضيف إلى هذه الحصيلة شيئا من الأدوار القديمة للخضراوي أو المسلوب أو غيرهما، وطبعا يضيف كذلك إلى هذه الحصيلة الضخمة حصيلة جيل الشباب من ملحني هذه الأدوار، أخص بالذكر داوود حسني وإبراهيم القباني. وبخصوص إبراهيم القباني كان قد لحن دورا ربما في السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر، إذ أن هذا الدور الشهير نكاد نجده مسجلا بصوت كل المطربين الكبار في بداية القرن العشرين، هو دور “البلبل جاني وقال لي”، على فكرة دور “البلبل جاني وقال لي” يعتبر لغزا من حيث تأليف الكلمات لأنني أتحدى أي شخص أن يفهم ما المقصود من نص هذا الدور، وهذا دليل على أن في الأدوار بالذات الكلمات ليست مهمة، تكاد تكون رص كلام  في الواقع، ولكن هذا لا ينقص من قيمة الدور على الصعيد الفني لأنه من أجمل وأطرب ادوار إبراهيم القباني. الشيخ يوسف المنيلاوي يقدم صيغة شخصية لهذا الدور.

أريد أن أعود إلى مسألة الارتجال وفرض الشخصية في القطع الموسيقية لأنها مسألة جوهرية في عصر النهضة ، من حظنا السعيد أننا نستطيع أن نقارن ما بين أداء للشيخ يوسف لصيغتين أو أكثر للدور الواحد، نظرا لكونه قد سجل هذه الأدوار لصالح شركة “سمع الملوك” أي “بيكا”، ثم عاد تسجيل بعض هذه الأدوار لصالح شركة “غراموفون”، وفي بعض الأحيان هناك صيغتان لشركة “غراموفون” إن كان خلل قد وقع أثناء التسجيل فيعيد التسجيل، وهناك تسجيلات “بروفة”، مثلا “الفؤاد حبك” تمكن المستمع  حاليا من أن يقارن بين صيغتين، المقارنة تثبت أن صيغ الشيخ يوسف المنيلاوي هي فعلا صيغ شخصية، بحيث أنه يقدم صيغته الخاصة به التي أضاف إليها ما يريده، ولكن مجال الارتجال يقع فقط في أماكن وانتقالات معينة في الدور، بحيث أنه قد يختار أن يطور أثناء الأداء مقطعا معينا على حساب مقطع آخر، ولكن الفكرة العامة للدور تبقى ثابتة عنده، هذا لا يعني أنه يغني الدور كما ألفه ولحنه الملحن، هذا يعني أن صيغة معينة كانت تتبلور حفلة بعد حفلة في ذهن الشيخ يوسف المنيلاوي وأنه كان يقدم كل مرة نفس الفكرة العامة، ومعنى ذلك أن الجمهور لا بد كان يتوقع منه أن يظهر براعته في مقاطع معينة من هذا الدور، وهذا أيضا لا يمنع أن يطلق العنان لمخيلته لإبداعه الفوري في مقاطع معينة، ما رأيك؟

أنا أعتقد نعم هناك مواقع ثابتة أو هو ثبتها، وهناك مواقع أخرى هو يرتجل فيها، وهناك مواقع يختصرها أحيانا ويطيل فيها أحيانا، يبدو حسب أكيد رغبته الشخصية ولكن حسب أيضا أحوال الجمهور والسميعة إلخ، يبدو أنه هناك أماكن ما مطاطية  تحتمل الإقصار وتحتمل الإطالة.

بالنسبة إلى دور “البلبل جاني وقال لي”، هذا الدور مليء بالحركات المبهرة، وهو دور يستعرض فيه الشيخ يوسف المنيلاوي كل مواطن القوى في صوته، مقرونة بهذه المرونة المنقطعة النظير، يقال والله أعلم وهذه مقولة سمعناها من جامعي الاسطوانات كحبيبنا عبد العزيز العناني رحمه الله في الثمانينات أن الشيخ يوسف المنيلاوي كان يتقاضى أجرا خاصا لأداء هذا الدور بالذات، وكان يطلب لأدائه مئة جنيه ذهب.

مئة جنيه ذهب، يا ترى هلك كان يعطي شيئا لإبراهيم القباني، أليس هو من لحنه؟

أتمنى ذلك لأخينا إبراهيم القباني، “القباني اتخم في الموضوع بقة”.

قصة الأجر الزيادة هذه بالنسبة لي مستبعدة، مئة جنيه ذهب بصراحة مستبعدة، لو أنه قال عشرون جنيه لكنا صدقنا، المهم أن قصة الأجر الزائد ربما من أجل الحركات التعبيرية الموجدة في صوته من تقليد العصافير، فربما نوع هذا الأداء أو محاكاة الطير بصوته لم يكون موجودا في أيامه على الأقل أو كان شيئا جديدا.

مسألة الحركة التي تشير إليها، هي تمييع حرف الباء وما يشبه نوح الحمام في قوله: “بتنوح ليه يا حمام بتنوح ليه يا حمام”، فنكاد نسمع “ب ببتنوح ليه ب ببتنوح ب ببتنوح” وكأنه يقلد الحمام، غير أننا نجد تمييع الباء في تسجيلات أخرى للشيخ المنيلاوي، وهذا الترجيف الغريب نجده أيضا، قد تكون حركة تعبيرية أوجدها أو اخترعها “للبلبل جاني” ثم استخدمها في مواقع أخرى وفي قطع أخرى الله أعلم.

نعم هذا شيئ أكيد فقد كان يغني “البلبل جاني” قبل التسجيلات. 

يستهل هذه الاسطوانة بليالي راست مطربة قصيرة، فلنستمع إذن إلى “البلبل جاني وقال لي”.

“غراموفون” حوالي سنة 1909.

إلى هنا أصدقاءنا المستمعين نكون قد وصلنا إلى نهاية حلقة اليوم من برنامج “من التاريخ، والتي قد تحدثنا فيها عن الشيخ يوسف المنيلاوي، وإلى حلقة أخرى نواصل فيها الحديث عن الشيخ يوسف المنيلاوي نترككم في الأمان.

“من التاريخ”، فكرة وإعداد:مصطفى سعيد.

 

 

  2014  /  الإذاعة  /  Last Updated يوليو 30, 2014 by Naji Zahar  /  Tags:
WP-Backgrounds Lite by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann 1010 Wien